أحمد بن يحيى العمري
96
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وملت إلى القوّال وهو أبو بكر أحمد بن عبد اللّه الشّاذياخيّ ، فقلت : أسمعنا خيرا ؛ فدفع القوّال وغنّى أبياتا ، فيها « 1 » : [ الوافر ] وشبهنا بنفسج عارضيه * بقايا اللّطم في الخدّ الرّقيق فقال أبو بكر : يا قوم ، أحسن ما في هذا الأمر ، أنّي أحفظ هذه القصيدة وهو لا يعرفها ؛ فقلت : يا عافاك [ اللّه ] ، أعرفها ، وإن أنشدتكها ساءك مسموعها ، ولم يسرك مصنوعها ؛ فقال : أنشد ؛ فقلت : أنشد ، لكنّ روايتي تخالف هذه الرّواية ؛ وأنشدت : [ الوافر ] وشبّهنا بنفسج عارضيه * بقايا الوشم في الوجه الصّفيق فأتته السّكتة ، وأضجرته النّكتة ، وانطفأت تلك الوقدة ، وانحلت تلك العقدة ، وأطرق مليا ، وقال : والله لأضربنك وإن ضربت ، ولأشتمنّك وإن شتمت ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ « 2 » ولتعلمنّ أيّنا الضارب وأيّنا المضروب . وقلت : يا أبا بكر مهلا ، فإنّك بين ثلاثة فصول لم تتخطّها من عمرك ، وثلاث أحوال لم تتعدّها « 3 » في أمرك ؛ وأنت في جميع الثلاثة ظالم في وعيدك ، متعدّ في تهديدك ؛ لأنك كهل وأنت شاعر ، وكنت شابا وأنت مقامر ، وكنت صبيا وأنت مؤاجر ؛ فنطاق القدرة في الثلاثة الفصول ضيق عن هذا الوعيد ؛ لكنّا نصفعك الآن ، وتضربنا فيما بعد ، فقد قيل : اليوم قصف ، وغدا خسف ؛ وقيل : اليوم خمر ، وغدا أمر « 4 » ؛ فقال أبو بكر : والله لو أنّك دخلت الجنة ، واتخذت السندس والإستبرق جنّة ، لصفعت ؛ فقلت : واللّه لو أن قفاك غدا في درج في
--> ( 1 ) قارن : بقول كشاجم : [ ديوانه 286 ] . يذكرني بنفسجه بقايا * صنيع اللطم في الخد الرقيق ( 2 ) سورة ص : 88 . ( 3 ) في الأصل : تتعهدها . ( 4 ) هي قولة امرئ القيس المشهورة .